محمد جمال الدين القاسمي

5

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 2 ] أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ ( 2 ) أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ الهمزة لإنكار التعجب والتعجيب منه ، وإنما أنكر ذلك لكون سنة اللّه جارية أبدا على هذا الأسلوب في الإيحاء إلى الرجال ، وإنما كان تعجبهم لبعدهم عن مقامه ، وعدم مناسبة حالهم لحاله ، ومنافاة ما جاء به لما اعتقدوه و « القدم » بمعنى السبق مجازا ، لكونه سببه وآلته ، كما تطلق « اليد » على النعمة ، و « العين » على الجاسوس ، و « الرأس » على الرئيس . ثم إن السبق مجاز عن الفضل والتقدم المعنويّ إلى المنازل الرفيعة ، فهو مجاز بمرتبتين أو « القدم » بمعنى المقام ، ك مَقْعَدِ صِدْقٍ [ القمر : 55 ] ، بإطلاق الحالّ وإرادة المحلّ ، وإضافته إلى الصدق من إضافة الموصوف إلى الصفة . وأصله « قدم صدق » أي محققة مقررة . وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق ، وتنبيه على أنهم إنما نالوا ما نالوا بصدقهم ، ظاهرا وباطنا . قال في ( الانتصاف ) : ولم يرد في سابقة السوء تسميتها « قدما » إما لأن المجاز لا يطرد ، وإما أن يكون مطردا ، ولكن غلب العرف على قصرها ، كما يغلب في الحقيقة . قالَ الْكافِرُونَ وهم المتعجبون إِنَّ هذا أي الكتاب الحكيم لَسِحْرٌ مُبِينٌ أي ظاهر . وقرئ « لساحر » على أن الإشارة إلى الرسول صلوات اللّه عليه . وهو دليل عجزهم واعترافهم ، وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرا ، وذلك لأن التعجب أولا ، ثم التكلم بما هو معلوم الانتفاء قطعا ، حتى عند نفس المعارض ، دأب العاجز المفحم . ثمّ بيّن تعالى بطلان تعجبهم ، وما بنوا عليه ، وحقق فيه حقية ما تعجبوا منه ، وصحة ما أنكروه ، بالتنبيه على بعض ما يدل عليها من شؤون الخلق والتقدير ، ويرشدهم إلى معرفتها بأدنى تذكير ، فقال سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 3 ] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 3 ) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال